بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 8 ديسمبر، 2015

تجربتي مع الخمسين كتابا في عام 2015



كانت صديقتي دوما تردد"الفراغ يولد الرداءة" وان افترضت بأنني أتفق معها بشكل كبير، فالرداءة الأجمل التي منحني اياها الفراغ هي حب القراءة.

أذكر جيدا حكايتي مع الكتاب الأول،في احدى الاجازات الصيفية ذهبت وأمي الى زيارة لبيت جدي،في حين فاز اخوتي عليّ بزيارة إلى العاصمة حيث الترفيه وزيارة الحدائق،لم أكن قد تجاوزت العاشرة من عمري. لم أجد وقتها في بيت جدي سوى تلفزيون بقناة عمان فقط، التي لا تعرض الرسوم المتحركة إلا في وقت العصر ولا شيء آخر سوى مكتبة كبيرة متنوعة تحوي ألف كتاب ويزيد .بعد أن أخذ مني الملل والفراغ مأخذا ،شرعت بيأس أقرأ عناوين الكتب في المكتبة، فاستوقفني عنوان "لا أحد يكاتب الكولونيل "  لماركيز .

لم يكن بالغلاف ما يشد طفلة في العاشرة؛ ولكن استعصائي على استيعاب معنى الكولونيل هو ما جعلني اقرا الكتاب كاملا. لم يرق لي الكتاب بالطبع لأنني لم افهم منه شيئا تقريبا ، انتقلت بعدها بشكل عشوائي لرواية لنجيب الكيلاني التي راق لي استيعاب الكثير منها .

أسعدني قرائتي لكتابين كاملين ولأول مرةفي حياتي ،وحفزني ذلك بعدها على قراءة عدد جيد من روايات أجاثا كريستي..

لم تكن علاقتي بالقراءة بعدها منتظمة قط رغم توقي الدائم لإقتناء الكتب.كنت أقرأ بشكل عشوائي وبناء على ترشيحات خالي- الذي أدين له بالكثير في توثيق علاقتي بالكتب- ,مما كان سببا مباشرا في عدم معرفتي لتحديد ميولي القرائية لوقت طويل.

في ديسمبر من العام المنصرم –وكعادتي في نهاية كل عام- وضعت خطة لعام 2015 كان من أهم أهدافها  أن أنهي 50 كتابا، يكون خمسة عشر منها على الأقل بالانجليزية.

 أعترف بأنني لم أكن على ثقة بأنني قادرة على خوض تحدي كبير كهذا مع نفسي ،متخذة من ساعات عملي الطويلة والمرهقة وعدم تصالحي الجيد مع القراءة بالانجليزية –رغم ولعي بها- ذريعة لخوفي وعدم ثقتي. لكن قراءتي لستة وثلاثين كتابا في 2014 كانت حافزا جيدا للمضي قدما.
لم يكن الأمر يسيرا في الشهرين الأولين من السنة،حيث أن الخطة كانت تنص على انهاء 4 كتب في الشهر ،لكنني أنهيت هذه الأربعة في شهرين.

جاء بعدها معرض مسقط للكتاب، وللمرة الأولى في حياتي يجتاحني فيها ذاك النهم الجنوني لإقتناء الكتب، حيث اشتريت45كتابا وبشكل غير مدروس. أحسست بكثير من الندم والاحباط على الكم الهائل من الكتب التي لم أكن على أدنى ثقة من قدرتي على قراءة نصفها. ولأنني كائن لا يستسلم بسهولة قررت أن أجاهد نفسي المحبطة وبأن أكمل التحدي.

اليوم- وبعد أقل من سنة- نجحت وبجدارة في قراءة خمسين كتابا كان خمسة عشر منها بالانجليزية. لم تمنحني هذه التجربة تصالحا مع الكتاب كما منحتني تصالحا مع ذاتي قبل كل شيء.
أعترف بأنني أوليت اهتمامي الأكبر بالكم مع محاولة عدم اهمال النوع ؛ وذلك لأتغلب على بطئي في القراءة وأكون أكثر التزاما بتخصيص صفحات معينة ألزمت نفسي بقراءتها يوميا. 
  
 بالاضافة الى الانضباط والإلتزام، أكسبتني هذه التجربة قدرة على التركيز لم أكن أمتلكها،فقد كنت في أحيان كثيرة أقرأ في أماكن عامة تضج بالبشر وبالأصوات التي لم أكن أسمعها ولا أنتبه لها بسبب اندماجي وتركيزي بالكتاب الذي بين يدي.

تعلمت أن أسير مع الكاتب كامل رحلته من المقدمة الى الخاتمة متسلحة بالصبر في مواضع يطيل فيها الاستطراد أو يقحم فيها ما لا يتناسب مع مضمون الكلام في ذلك الموضع مؤجلة اطلاق حكمي أو رأي في الكتاب إلى أن أفرغ منه. وما أجمله من درس!

قرأت لأول مرة لعظماء كشريعتي وهنري ميلر، كان كتاب "الكتب في حياتي " لهنري ميلر هو الأجمل من بين الخمسين كتابا. لن أنسى بأن أشكر أوشو لأنه حفزني جدا على انهاء الجزء الأهم من هذه الرحلة المتمثل بقراءة خمسة عشر كتابا بالانجليزية.

وأخيرا..كرست هذه التجربة الرائعة بداخلي يقينا عميقا بأن القراءة هي الخلاص الأول والأخير من كل بؤس هذا العالم . فشكرا لكل من استعرت منه كتابا،وكل من رشح لي كتابا ،وكل من حفزني ولو بمنشور في الفيس بوك أو بتغريدة في تويترعلى القراءة..

رحمة آل خليفين

8/12/2015



الثلاثاء، 3 فبراير، 2015

تفاصيل...



لا أدري إن كان عام واحد وبضعة أشهر هو زمن كاف لأن ينسى المرء فيها داخله ,ليكترث جدا بخارجه وتفاصيل كثيرة جدا مرهقة ,يوهم بها داخله بأنها سببا بطريقة أو بأخرى لتوازنه واستقراره!
أدرك جيدا بأن خداع الذات لهي من أجمل ملذات الحياة التي يمكن أن يمارسها المرء على ذاته ,وبأن النتائج مهما بدت غير مرضية في ثمة أحيان, إلا أن المتعة المتأتية من جراءها كفيلة بأن تخفف الكثير من الاحساس بمرارة الخيبة.

 لا أعلم حقيقة هل يمكن للداخل أن ينفصل عن الخارج!

عندما يصل المرء إلى مرحلة ينسى فيها روحه وقلبه ,ينسى فيها كيف يحب وكيف يبدي تعاطفه حيال الآخرين , ويعجز عن الشعور بالألم ولا تنتابه قط رغبة في البكاء مهما كانت حدة الأمر من حوله.

عندما تبلغ تلك الدرجة التي تصبح بها مهووسا بنوعية وكمية ما تأكل, وتظل تحسب وتزيد وتراقب السعرات الحرارية في كل جرام مما تأكله ,ويبلغ بك الندم وتأنيب الضمير مبلغا ان استهلكت نوعية بها سعرارات قليلة زائدةعن المعتاد ,


عندما يصل هوسك حد أن تتلذذ وتستمتع بكل الدقائق التي تقضيها في تصفح كل ما يخص الأطعمة التي تذيب الدهون , ومتابعة كل التمارين الرياضية للحصول على بطن مسطح وذراعين مشدودتين وقوام ممشوق.
وعندما يصر كل من حولك بأن توديع كيلوجرامات أخرى من وزنك سيحيلك حتما إلى هيكل عظمي ,وأنت تستنكر كل هذا في داخلك,ولا يزيدك استهجانهم سوى حماسة لفقد المزيد من الوزن.
عندما لا تكترث بتأمل ملامح وجهك التي بت لا تتذكرها في المرآة ,بينما تجد كل الوقت لتمارس الرياضة يوميا وتزور أخصائي التغذية  لتصبح بجسم رشيق !!


تفاصيل ...تفاصيل... تفاصيل..


والزمن أيضا لهو وهم غير لذيذ على الإطلاق وأكاد لأجزم بأن الأهتمام به لهي  الوسيلة الأسرع  للموت.
أن تظل تنقل بصرك بين ساعة يدك ,وبين ساعة سيارتك طوال ال40 دقيقة التي تقود فيها السيارة إلى عملك , لتحسب يوميا فرق الدقائق التي تصل فيها , ويلعب بك الاحباط معكرا صفوك منذ شروق الشمس, حيث أن تأخيرا عن السابعة ب5 دقائق يعني أن ما تبقى على بدء دوامك 55 دقيقة وليس ساعة!

أن تبقى مراقبا لساعة المختبر , وتقارن فارق ال4 دقائق بينها وبين ساعة هاتفك, وتكرر الأمر ذاته يوميا, مما يحدث بداخلك ارتباكا وحنقا لا مبرر لهما البتة.

أن يأخذ جهاز قياس بعض المعادن في المختبر 5 أو 10 أو 20 دقيقة انتظار ريثما ينتهي التفاعل الكيميائي ويرن الجرس معلنا انتهاء الوقت  لتسجل النتيجة بعدها, في هذه الأثناء تقصد المختبر الملاصق لجهازك لاجراء فحص كيميائي من نوع آخر يأخذ ذات الوقت الذي يأخذه الجهاز ,تظل طلية تلك الدقائق تنظر لساعة الحائط مما يبطء في ادائك ليرن جرس العمل الأول وأنت لم تنتهي من الثاني , يصيبك الارتباك ويتشتت ذهنك ويتعكر صفوك!

عندما تقرر أن تمارس المشي لمدة ساعة وتظل تحسب كم من الوقت انقضى بين الفينة والاخرى,تفعل هذا قلقا رغم أنك تستمتع جدا بما تفعله في اللحظة ,لكن صوت داخلي يجعلك تستعجل الساعة ليمر الوقت وتنتقل لعمل آخر بعد الرياضة,لتفقد كل ما يمكن أن يسمى بالمتعة!
زمن= قلق+توتر+توجس دائم+ترقب

يحدث كل هذا فتفقد ذاك الشعور باللذة والحب والجمال التي يمكن أن تمنحها اياك ما يفترض أن تكون ملذاتك

تفاصيل..تفاصيل... تفاصيل...


  عندما تصبح آليا محموما ,مشغولا ,مترقبا طيلة الوقت في كل دقائق يومك للخارج متناسيا الداخل ,فأنت تهرب من أمر بات لا بد من تكليف نفسك كل العناء لكشف ماهيته وإلا فقدت روحك بلا رجعة.


21:58 م
3/2/2015
الموالح

الجمعة، 17 أكتوبر، 2014

انتظار(1)...



زارتني فكرة إرتكاب هذه الحماقة اللذيذة منذ أكثر ما يقارب الأسبوعين,لكنني في كل مرة كنت أرتأي تأجيلها,علني أفقد رغبتي وتمسكي المحموم بها .

ولكن على ما يبدو بأنها –هذه الحماقة- قد تغلبت على عزيمتي الهزيلة في مقاومتها ,وهأنذا أبدا.

لست متأكدا تماما بأنني لن أندم على فعلتي هذه التي لا تخلو من أنانية وشيء لا يمكن نكرانه من  ال لا انسانية أمام ذاتي المجنونة بك وبكل ما يخصك. ومنذ الأن أحمل نفسي نتائج  هذه الممارسة اللامدروسة.

الكتابة-بغض النظر-عن أسبابها وتوجهاتها-هي فعل جميل ولذيذ,يمنحنا الفرصة لنرسم خيالاتنا وأوهامنا في دفتر جميل ومنتقى بعناية وجهد كبير كهذا الدفتر ,ليكون محطتنا الأخيرة قبل أن يقرر الأرق بأن يعتقنا في آخر ساعة من الفجر.

بعد قراري الحاسم والذي بات لا رجعة فيه,كان لابد من زيارة أكثر من مكتبة للبحث عن دفتر جميل يليق بجمالك وسحرك ,رغم يقيني المسبق بأن لا دفتر في العالم بأسره بإمكانه أن يحتضن هذه الكلمات التي تخصك أنت وفقط.

سيدتي الجميلة:أجزم لك بأنك لن تجدي هنا شيئا ممتعا أو ما يستحق الوقوف عنده , وبأنك ستكملين قراءة هذه الحماقة المملة إلى آخرها فقط لأنها تتعلق بك.

اكتب إليك في دفتر رسم على غلافه حرف اسمك الأول وبلون زهري فاتح , تعمدت أن أكتب إليك بخط يدي ,كي تصل إليك حرارة مشاعري المضطربة في حضرة الكتابة إليك. وحاولت قدر استطاعتي أن أرفع من مستوى لغتي الركيكة بالإستعانة بقاموس وكتاب إعراب, فكاتبة عظيمة مثلك يستحي متمكني اللغة من مجاراتها ,فكيف بكاتب سيء للغاية مثلي!

ستكون هذه الحماقة هي هدية عيد ميلادك مني ,وكم أتمنى أن لا يخونني مزاجي المتعنت إلى وقتها . وربما سيتضاعف أعداد الدفاتر لتصبح أربعا ,إن بقيت أكتب بهذه الغزارة ,لذلك ومن باب الإحتياط اشتريت أربعة دفاتر يحوي كلا منها حرفا من حروف اسمك وبدأت الكتابة فيها بالترتيب حتى يصبح الأمر سهلا عليك عندما تشرعين في قرائتها .. أعانك الله

إنها الثانية والنصف صباحا في مدينة الضياع وخيبات الأمل ,في غرفتي الباردة والفارغة إلا من دولاب تكتنز فيه دشاديش تكاد كلها تحمل اللون الأبيض الباهت ذاته, بإستثناء واحدة بخيط أخضر فاتح ) أحضرها لي أخي كي ألبسها في حفل زفافه قبل أعوام خمس من الآن. وسرير يشبه النعش تماما بملأته البيضاء. ومكتبة صغيرة تحتضن كل كتب الكآبة كما تدعي أختى الصغرى والتي هي نفسها قد أضاعت نصفها .

هدوء رهيب يبتلع المكان , أستلقي على نعشي أراجع ما كتبته لك قبل دقائق ,أصحح علامة ترقيم وألغي أخرى , أرفع اسم كان الذي كنت قد نصبته وأنا أكتب على عجالة.بإختصار الكتابة إلى كائن مثلك موت ,ولكنه موت من نوع آخر ,هو ألذ موت وأعذب فناء يمكن أن يغرق فيه المرء.

أعيش كسجين منفي عن العالم في هذه الغرفة الباردة مع أوهام وحكايات استمدها من ذاكرتي تارة ,أو من مئات السيناريوهات الرومانسية والتراجيدية المعدة باتقان للحظة اللقاء بك .وتارة أخرى أغوص في حوارات طويلة معك عن الأدب وماركيز وباموق ومعلوف, ربما لو درست الأدب لكتبت فيك رواية أفرغ فيها كل ذاك اللهب والحزن الذي أوقده الشوق في النفس, أو على الأقل لتغزلت بجمالك- الذي لا تشبهك فيه كل نساء الارض- في قصيدة.

 لست على يقين بأن ثمة طائل من كل ما أهذي به هنا ,ولكنني على مطلق يقين بأنني خسرتك إلى الأبد .لا زالت عبارتك الأخيرة ترن في أذني ,تخنقني وتقتلني ,تبكيني ألما ومرارة ,أتجرع بها كل ليلة شتى أنواع العذابات وجلد الذات..

لطالما كنت ِ تحاولين اقناعي بأن الأوان لا يفت أبدا ودوما هنالك متسع من الفرص لترميم ما انهدم وربما اعادته إلى وضع أفضل مما كان عليه.

وبأن الأوان هنا هو ما نصنعه نحن , وهو –الأوان- ليس سوى مرادفا للزمن , وهذا الأخير ليس سوى ضربا من ضروب الوهم.

اليوم بالذات أريد بقوة أن أقتنع بأن الأوان لم يفت ,بل أنا مقتنع بها تماما, لكنك أنتِ من اسقط هذه القناعة في رسالتك الأخيرة . رسالتك التي قتلتني واعادت ولادتي من جديد. وما أقساها من ولادة يكون ثمنها خسارتك .

أتعلمين بأن الاحساس بالندم هو أقسى المشاعر ايلاما على الاطلاق! والله لهي أشد وطأة وقسوة على النفس من مشاعر الوحدة المزعجة ,فكيف ان كان هذا الندم نتاج فقدان ملاك لا يمكن أن يعوض كأنتِ.

ليتهم يعرفوك كما عرفتك, ليتك تخرجين قليلا من عزلتك وتمنحينهم جزء من فرصة ليطمئنوا بأن الحياة لا زالت تحمل كل هذا الجمال والصدق والبراءة مجتمعة في قلب واحد..

ساءت أحوالي جدا بعدما تركتني, دخلت في دوامة اكتئاب مقيتة لمدة شهرين , مذهولا مما حدث أو بالأحرى مما أحدثته أنا وكنت سببا أوليا فيه. حاول "عمر" أن يخرجني مما أنا فيه دون أن يسألني تفسيرا لما كنت أعيشه من أسى , وكدت أخسره إلى الأبد بعد تلك المحاولة.

بات المقهى هو عالمي الذي أقضي فيه جل وقتي بعد العمل متأملا أن ألمحك ولو من بعيد في احدى زواياه وأنت تقرأين رواية بالانجليزية ل جوني اوستن  أو تكتبين عن حالة النشوة التي تنتابك وأنت تشمين رائحة القهوة..

في احدى المرات وأنا أهم في دخول المقهى ,رأيتك في الطرف الآخر من المجمع  آية في الجمال كما رأيتك أول مرة ,فارغة الطول ,رشيقة القوام ترتدين جاكيتا عنابيا وتنورة سوداء بمعية فتاة موشحة بالسواد. ركضت نحوك بهستيرية غير مبال بتلك الحشود التي تملئ المجمع, شعرت وقتها وأنا أسير وسط تلك الحشود كمن يسير ببطء إلى الحياة بعد الموت,لأكتشف بعدها بثوان بأنني لم أكن ماضيا سوى إلى موت آخر وخيبة أمل جديدة.. التفتت نحوي ذات الجاكيت العنابي مبتسمة , ولم تكن أنتِ..

للحديث بقية..

17/10/2014





الجمعة، 19 سبتمبر، 2014

...............



ربما هي المرة الألف أو تزيد تلك  التي مارست فيها شتى أنواع الحيل والمقاومة على نفسي  لأبتعد عن هذا المكان,وهأنا اليوم أعلن استسلامي بكل صراحة وتعب وأسى.

 لا أدري حقيقة لم تتملكني حالة من الاشمئزاز والقرف ممن يلجأون إلى الكتابة كخيار أول للتعبير عن ضعفهم وخنوعهم وأمام الملأ , ربما لأنني كائن عنيد جدا أمام الشعور بالضعف , ولا أستسلم بسهولة , لذلك أظل أقاوم  وأقاوم  حتى يطفح بي الكيل . أو قد أحيل الأمر إلى نظرتي المبالغ بها لعملية مقدسة كالكتابة.
لماذا نختزل جمال الكلمات واللغة –غالبا- في التعبير عن بؤسنا وخوفنا وخيباتنا  أكثر من أي أمر آخر ,وان بدت مسكنا لها في حالات !

 ومع ذلك ,الكتابة أمر مخيف و مروع  للغاية , فهي تعرينا وتفضحنا أمام أنفسنا قبل الآخرين , تجعلنا ندور حول نقطة مركزية بداخلنا لتغرقنا في دوامات من الأفكار والتساؤلات وكثير من الشك في فهمنا لدواخلنا.
ثمة حالات تسهم الكتابة فيها بمضاعفة آلامنا وهواجس دواخلنا المزعجة , تجمعنا باستمرار مع من نقرر أن نطوي صفحاتهم من ذاكرتنا وإلى الأبد, وتجعلنا نهيم في مساحات شاسعة من الخيال معهم ..
تساعدنا الكتابة جدا على ممارسة كافة أنواع الخداع  والكذب على ذواتنا , تسافر بنا إلى حالات من الفرح المؤقت والذي قد يطوول كثيرا لدرجة يصعب علينا بعدها أن نفيق من أوهامها .

ورغم كل هذا ,لا زلنا نحاول ونحاول أن نكتب . ثمة رابط قوي يربطنا بهذه اللذة المؤلمة ,ليس من السهل فهمه أو حتى محاولة وصفه.

كيف يمكن للمرء أن يتصالح مع أمر كالكتابة ؟  وهل أمر التصالح وارد أساسا؟  أم أنها محاولة فاشلة سلفا؟

وإن كان الأمر جائزا ولو بنسبة ضئيلة, فكم من الزمن يلزمنا كي نعيش شيئا من هذا التصالح وان كان مؤقتا!!

هل يمكن للكتابة أن تنتصر على ذات أعياها الفراغ  وعقل بات مفلسا من كل شيء, لتصنع له حياة بعد موت؟

..........
.......
.....
...
..
.
21\18 م
19/9/2014
الموالح
                                                                                             


  

الجمعة، 29 نوفمبر، 2013

كل عام وأنا بخير..


ابتعدت كثيرا جدا عن هذا المكان الذي كان لفترة طويلة سابقة ملجأ لكل  عارض من الفرح أو الإكتئاب على حد سواء. اليوم أعيش في دائرة مغلقة محاطة بأسوار تشتد سماكتها يوما بعد يوم بإختياري ولا أملك التذمر حيالها لأنني أؤمن جدا بان حياتنا هي ما تصنعه أفكارنا وقرارتنا .


في حقيقىة الأمر لم تكن وحدتي نتاج قرار شخصي بحت بل نسبة كبيرة منها كانت نتاج فترة البؤس والبطالة الطويلة جدا التي جربت فيها كل المشاعر الإنسانية التي يمكن أن يشعر بها من عاش مائة عام حياة مملوءة بشتى أنواع المصاعب والمغامرات والقوة والضعف على حد سواء.


ولأكون منصفة في حق السنوات الأربع الأخيرة من عمري, سأقر وأعترف, بأن الفضل الأكبر في نمو وعي القرائي والكتابي والمعرفي كان يعود إليها ,فهي من خلقت مني رحمة مختلفة تماما عما كانت عليه قبل أربع سنوات سابقة ,وأقصد بالاختلاف هنا هو الاختلاف الايجابي بالطبع.


في خلال السنوات الأربع الماضية قرأت ما يقارب 110 كتابا في شتى المجالات, وان كان معظمها يصب في صالح الأدب. تعلمت عادة أن أقرأ باللغة الانجليزية حتى وصلت لدرجة متقدمة أصبحت أستطيع فيها قراءة رواية من 450 صفحة في غضون أسبوع فقط..


علمتني فترة البطالة كيف أكون قارئة متذوقة إلى حد جيد,وكيف أنقد وأفند وأقيم كل ما أقرأه دون التحيز لكاتب أو لون مفضل من القراءات ..

ساعدتني هذه المرحلة من حياتي بأن أتصالح مع الكتابة إلى حد ما ,فلطالما كنت أعتقد بأنني كاتبة فاشلة وأعجز دوما عن التعبير عن أفكاري بأسلوب وجيز وبأبسط الطرق.


كشفت لي هذه الأربع سنوات من عمري الكثير مما كنت أجهله عن نفسي .أكدت لي بقوة كيف أنني كائن شرس بامتياز  عندما يتعلق الأمر بحريتي الشخصية ,وكيف أنني على أهبة الإستعداد لأن أخسر أيا كان من البشر لمجرد محاولته الإقتراب من عالمي الخاص بل الخاص جدا.


وبأنني أعشق الحرية بشكل عجيب , ولتسقط معي كل تقاليد وعادات المجتمع إن كانت مجاراتها والإمتثال لها سيمس شيئا من استقلاليتي وحريتي..


فهمت جيدا بأن الإحباط حالة صحية جدا على ألا تطول ,وبأنها مرحلة عابرة تستسلم فيها النفس للحزن وشيئ من البؤس لتعود أكثر قوة وصلابة مما كانت عليه..


ولأعترف أيضا بأن هذه السنوات الأربع أفقدتني كل علاقاتي الإجتماعية السابقة وجعلتني كائنا افتراضيا بامتياز,حيث أن كل علاقاتي الإجتماعية لا تتعدى أن تكون حوارات عابرة وأغلبها لا تسمن ولا تغني من جوع  في عوالم افتراضية مظلمة .. وأسهمت بشكل كبير في تراجع ثقتي بنفسي فيما يخص الجانب الإجتماعي من حياتي ,حيث أنها كرست بداخلي حب عميق ومخيف للوحدة والعزلة لدرجة أن حضور أي مناسبة اجتماعية بات لي كمن يساق إلى الموت , وحتى أن دوري فيها لا يتعدى أن يكون ثانويا صامتا بذهن مشتت ورغبة قوية للعودة إلى منفاي وعزلتي وكتبي..


ولأننا نحن البشر نتلذذ بممارسة أنواع شتى من وسائل خداع الذات فإنني أقول لذاتي ثم لكم بأنني سأتجاوز الفقرة السابقة وسأركز على ما سبقها منذ بداية المقال.. كم نحن بحاجة إلى خداع كهذا أحيانا!!
أن تكون كائنا بسقف توقعات عالية ,يعني أن تكون دائما عرضة لخيبات أمل كبيرة بالأخص اذا كنت تحيا بين عقول يصعب عليك التوافق معها,ليس بالضرورة لأنك أكثر وعيا وتفتحا منها بل لأن نقطة التقاءك معها ضعيفة لدرجة كبيرة !! خيبات الأمل المستمرة تكسبك مناعاة قوية ضد الإنكسار وتجعلك عنيدا بعض الشيء في التمسك بهذه التوقعات أو ربما رفع سقفها أيضا..

ليس سيئا أبدا بأن تكون ذو سقف توقعات عالية وإن كان من حولك- وهم الأغلبية طبعا-  يحاول  التثبيط من عزيمتك حيال الأمر,لأن رأي الأغلبية لا يعبر بالضرورة عن ما هو صائب دوما..
من الجميل أن تكون صريحا وعاريا جدا أمام نفسك , وتكون دائم التأنيب لها ,فأنت بذلك تخلق فرصة جيدة لولادتها من جديد,ولكن عليك بأن لا تنتهج الأسلوب ذاته في جميع الحالات,فثمة حالات تتطلب عناية وأساليب خاصة.

 هاهو ديسمبر يقبل علينا ضيفا ,وما أجمله من ضيف.أحب ديسمبر بنفس الدرجة التي أخشاه بها ..في ديسمبر تنتهي كل الأحلام لتبدأ أخر ,وهو شهر الحساب حيث فيه يكرم المرء أو يهان..
في ديسمبر كانت صرختي الأولى ,وفي التاسع عشر منه هذا العام سأكمل الثامن والعشرين من عمري.
أعتقد جدا بأننا نملك ما يكفي من الأسباب لنحب ذواتنا ونعتد بها حتى لو لم  نكن نعيش معها في حالة تصالح وانسجام.


ثماني وعشرون عاما مرت بلا رجعة ,تعلمت فيها الكثير, وتمنيت الكثير,أجهضت أحلاما ووجدت أخر ولا زلت في قيد البحث عن الكثير..


كل ما أذكره هو تلك الطفلة التي تجلس على الأرجوحة وتقرأ رواية لأجاثا كريستي التي ماتت فيها البطلة ب سم الزرنيخ , ودميتي التي كانت تصل لثلاثة أرباع طولي التي كسر أخي الأكبر رجلها , ودفتر الملصقات الأحمر الذي بقيت أبكيه أسبوعا بعدما أقنعني أخي بتلوين بعض من صفحاته بالأسود, نتيجة الثانوية العامة , حفل التخرج من الكلية .......................................


لا أعلم كم من الزمن سأعيش ,ولست أدري ان كان في الذاكرة متسع لذكريات جديدة , ولكنني أعرف جيدا كم تغيرت وكم كبرت ,كبرت لدرجة  لم يعد بإمكاني تذكر بأنني كنت يوما في العاشرة من عمري.


كل عام وأنا بخير ,سأقولها مرة أخرى لنفسي في 19 من ديسمبر المقبل,وسأبتاع لنفسي باقة ورد حمراء من محل برزمان في الغبرة الشمالية, وسأشتري أيضا هدية –لم أفكر بعد في ماهيتها- في غلاف أحمر أنيق, لأنني أ س ت ح ق ..


من قال بأننا يجب أن ننتظر أحدهم بأن يتذكر أعياد ميلادنا ويهدينا باقة ورد ويبعث لنا برسالة في الثانية عشر ليقول لنا "كل عام وأنت بخير,والعمر كله إن شاء الله" !!!
لنفعل ذلك لأنفسنا..


طوال فترة طويلة من أعياد ميلادي السابقة كانت تراودني أمنية مجنونة بأن يأتيني اتصال من محل للورود ليخبرني بأن هنالك من يهديني باقة ورد وهدية , وكنت من شدة غبائي اظل طوال اليوم أترقب وأتفقد هاتفي, رغم انه لم يكن هنالك قط من الأحدهم من الجنسين من كان متوقعا أن يفعل أمرا كهذا..هذا العام سأحقق هذه الأمنية لنفسي وبنفسي..

بعض الجنون فنون..

\2013-11-30
1:24 am
Ibra




الخميس، 12 سبتمبر، 2013

وهــــــــــم



ملاحظة:القصة أدناه خيال في خيال ,وستنتظرون النهاية طويلا : )                                                      
إلى أمل :
( نحتاج إلى شيء من الوهم والصمت لنعيش)

كانت فارغة جدا من كل الحكايات ,لكن مثلها لا يجدر به إلا أن يكون بطلا , لم تكن تعي بالضبط إن كان ذلك وهما إختلقته لنفسها لتعيش به نشوة الإمتلاء. لا يمكن أن نعتبر ما حدث مصادفة ,كل شيء يحدث لسبب ,وفي بعض الأحيان لهاثنا الدائم وراء هدف ما قد يقودنا إلى آخر مختلف تماما. وثمة أبواب قد تؤدي بنا إلى المنشود ذاته ولكن بطرق وزمن مختلفين.


بدا اللقاء الأول وكأنهما يعرفان بعضهما منذ زمن, وكأن ما كان يدور من أحاديث وتبادل النظرات على استحياء من كليهما , ولحظات الصمت القصيرة , حدث في زمن سابق أو مقطع من فيلم أو قرأته في رواية ما.
لمخيلتها قدرة استثنائية على تخيل حكايات ورسم سيناريوهات وتعديلها في أزمنة لاحقة ثم تصديق ذلك كله وكأنه حقيقة,لكن الأمر هذه المرة كان بالفعل حقيقة, رغم كل هذا لم يتسنى لها في ما بعد ان تسترجع شيئا من حوارهما الطويل, كل ما بقى في ذاكرتها المعطوبة هو صوت صمتهما الذي سيطول لاحقا.


تبدو الحياة ساخرة جدا في أحيان كثيرة, تجعلنا فريسة خيارات محدودة غير محبذة,نقف عندها عاجزين عن فعل أي شيء سوى الإستسلام لها ,ونخوض غمار معارك كثيرة نتائجها في الغالب محسومة سلفا,وما إن نتأقلم مع تعاستها لتصبح جزءا منا حتى تفتح أمامنا  كل ما أوصدته من أبواب في زمن سابق.نكون عندها قد تصالحنا تماما مع تعاستنا التي باتت واقعا أكثر أريحية .


في مقهى الأسرار إلتقيت بها بعد غياب دام لعام وبضعة أشهر, ولمقهى الأسرار سر لم يعرفه عدا مجموعتنا التي تكونت من خمس مجنونات للقهوة عاشقات , افترق الشمل بعد أن تزوجت ثلاثا منا وبقينا أنا وهي في عداد الحرات الطليقات كما تسمينا هي والعوانس كما أسمينا أنا . أطلقنا عليه مقهى الأسرار لأننا كنا نجتمع فيه لنسمع في كل مرة سرا لا يخلو من مغامرة عاطفية لنصرخ كثيرا ونقهقه على حكايات لم تنجح منها إلا واحدة ,أو على الأقل هكذا خيل إلينا وقتها .  


جلسنا على الطاولة ذاتها في الجهة الغربية للمقهى , على الأريكة ذاتها التي تغير لونها إلى المارون . كانت إضاءة المقهى أقل حدة ورائحة القهوة فيه أكثر تركيزا . لم يتغير كثيرا,لكن غياب صديقتنا (جين) النادلة الفلبنية أشعرنا بشيء من الأسف.

 كانت تبدو شاحبة بعض الشيء ولون شيلتها الفاتح كان قد زاد الأمر سوءا, لكنه لم يخفي أبدا جمال وتناسق كل شيء في وجهها . صوتها الهادئ ووضوح مخارج حروفها عند الحديث يشعرني أحيانا بأنني أقف بين يدي خطيب فصيح له صيت طويل في الخطابة.


لطالما كنت أتشوق لحديثها الذي لا أمله ,كانت الوحيدة من كل الاخريات من نجحت في جعلي مستمعة جيدة . لحديثها سحر لا يمل ,وتستطيع دوما بأن تنقلك من حديث لآخر دون أن تشعرك بذلك .
سألتني- بعشوائية وكعادتها عندما تقفز من موضع لآخر ومبررها الدائم هو أن كل الأمور مربوطة ببعضها بروابط عجائبية أحيانا قد لا نكتشفها إلى بعد حين- :
-هل هنالك أشخاصا يمكن أن نلتقيهم بعد فوات الآوان !
وأردفت,
_ولكن الأوان لا يفت أبدا ,أليس كذلك؟
وأعقبت بسؤالين آخرين:
_ لكل شيء حكمة وسبب , لكن لم جاء في هذا التوقيت بالذات!
_ هل تتآلف الأرواح المتشابهة كما يذيب المثل المثل في الكيمياء !


صمتنا لدقائق بدت لي طويلة ,كنت أحدق بها وهي تفتح غطاء كوب القهوة لتعود لتغلقه من جديد مرات ومرات ..


عرفتها في سنتنا الدراسية الجامعية  الثانية , ولا زالت ذكرى لقائنا الأول عالقة في ذاكرتي وكأنها حدثت بالأمس . تحت شجرة كبيرة تتوسط قسم العلوم , كنا نستأنس تحت ظلها ونجتمع عندها لننقل من بعضنا  فروضنا الجامعية في الدقائق الأخيرة قبل  تسليمها.



 عرفتني عليها صديقة مشتركة ,بادلتني التحية بإبتسامة واستحياء نسيت وجوده بين صديقاتي الثرثارات . كانت تحتضن كتبها الدراسية كأم تمسك يد طفلها وهما يعبران الشارع.
.
بعد أن افترقنا عنها, قلت لصديقتنا المشتركة بسخرية : تبدو طالبة علم بإمتياز  ,فضربتني بكتابها الثقيل على رأسي.

لم يكسر حاجز صمتنا سوى صوت النادل :

-would you like to try our new cup cake mum! It’s for free

أجابته بهدوء كعادتها وبإبتسامة حزينة :
-No, Thanks


 تابعت حديثها بتردد واضح وبعشوائية مقلقة : إلتقيته ولم تكن مصادفة , وحدها الأقدار من تدرك وصوله في هذا التوقيت بالذات, لكنني أخشى أن يكون الأوان قد فات . كم سيلزمني من الزمن لأعرف.


تدركين جيدا يا صديقتي كم أمقت لعبة الزمن وما تمارسه علينا من سلطة نحن البشر المغفلين,لو نستطع فقط أن نتعايش مع حقيقة كونه وهما لا أكثر .
نحن بحاجة لكثير من الوهم والصمت كي نعيش. أوتدركين أن الحقائق المسلم بها هي في بواطنها أوهام !


صمتت قليلا ثم واصلت حديثها:

إلتقيته هنا في زمن لا أذكره لأنني لم أكن لأعترف به , ويا ليتني فعلت وقتها . كان يجلس على الأريكة ذاتها التي أجلس عليها الأن, يرتدي نظارة ذهبية تبدو صغيرة بعض الشيء على وجهه الممتلئ  الذي ظهرت فيه  تجاعيد تبدو حديثة . يستطيع الناظر إليه ان يلاحظ بوضوح كم يبدو هذا الوجه الممتلئ دائريا, وكأنه رسم بفرجار بواسطة معماري محترف . عيناه متوسطتا الحجم برموش كثيفة وجميلة ومرتبة ,بشرته المائلة إلى الحنطاوية ذكرتني بجارنا أبو محمد الذي يبيع السن توب المثلج أمام مسجد الحارة عصر كل يوم. رغم أن أنفه كان صغيرا بعض الشيء إلا أنه لم يكن ليقلل أبدا من جاذبيته. كمه بخيوط زرقاء كانت تفترش رأسه ودشداشته البيضاء كانت تحمل خيوطا بالسمك واللون ذاته. في يده اليمنى خاتم فضي ولم يكن يرتدي ساعة وهذا كل ما كان يهمني في الأمر.


مكث هنا لوقت طويل ,–أو على الأقل هكذا بدا لي وقتها- , لا أعلم كم من الحيوات مرت أو كم من التفاصيل استطاعت ذاكرتي المحشوة بالصمت أن تكتنز .




وللحديث بقية..


23:52pm
12-9-2013
Muscat