بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 25 سبتمبر 2010

متى سيرحمك الله يا مسقط!!!



مما لا شك فيه بأن العاصمة في كل دولة تنفرد بميزات لا تتمتع بها غيرها من المناطق الأخرى في الدولة نفسها, فالعاصمة كانت ولا زالت تمثل الصورة الحقيقية والواجهة للدولة بأكملها...هذه هي الفكرة النمطية رسخت وقُرأت علينا في كتب التربية الوطنية على مدار سنوات الدراسة في المدرسة والجامعة أيضا..



لنأتي إلى الواقع وندع المقدمات الطويلة جانبا ونتساءل :هل تمثل مسقطنا بالفعل الصورة والواجهة الحقيقية لعماننا بأكملها؟


والى أي مدى ترتبط مسقط اجتماعيا وثقافيا وحتى اقتصاديا بمناطق وولايات عمان الأخرى؟


لنحدد ما إن كانت مسقط بالفعل واجهة للبلاد بأكملها, فمسقط يجب أن تتداخل في نقاط تقاطع كثيرة وكبيرة مع مناطق عمان الأخرى, بعبارة أخرى أن مسقط يجب أن تكون مرتبطة بهذه المناطق ارتباطا اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا....الخ, وهكذا فان الأمرين مرتبطين ببعضهما ارتباطا وثيقا , بل يكادان يحملان الإجابة والاستنتاج ذاته..


لو فكرنا قليلا في الرابط المشترك أو نقاط تقاطع بين مسقط ومناطق أخرى لنأخذ منها على سبيل المثال وليس الحصر : ازكي,سمائل,صحم,عبري ,إبراء,المضيبي,المصنعة وجعلان..


لوجدنا أن نقطة التقاطع الوحيدة بين هذه المناطق والعاصمة هي أن جميعها تقع في بقعة جغرافية واحدة في الجزء الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية وتسمى عمان!!


ولوجدنا أيضا بأن جميع الأنشطة الثقافية من أمسيات أدبية ونواد علمية وناد ثقافي, ومعارض تصوير وفنون تشكيلية, وأوبرا وموسيقى وسينما معتبرة ومهرجانات تنحصر في مسقط وحدها, وهذا يوضح لنا الانفصال الثقافي الحقيقي الذي تعيشه مسقط عن المناطق العمانية الأخرى...


فلا نعجب من مواطن يقطن عبري أو جعلان ولم يدخل سينما أو يحضر أمسية ثقافية في مسقط في حياته كلها!!


ولا نستطيع أن نعتب على عماني يقطن إبراء أو سمائل أو صحم إن كان لم يسمع بدار الأوبرا العمانية أو أن هنالك جمعية للفنون التشكيلية في عمان أصلا!!


لا نستطيع أن نلوم كل هؤلاء إن كانت كل أمانيهم ومواهبهم قد ماتت لأنهم لا يملكون عائدا ماديا يعينهم على السكن في العاصمة وتتبع عالم الثقافة في عمان والذي تمثله مسقط وحدها!!


والباحث عن عمل الذي قد تجبره ظروفه الخارجة عن إرادته بأن يقبل راتبا زهيدا في ولايته حتى وان حمل مؤهلا دراسيا عاليا,فقط لان كل الشركات الخاصة والوزارات والدوائر الحكومية التي تحمل شواغر لرواتب عالية تتركز في مسقط,هذا انفصال اقتصادي أيضا تعيشه مسقط..


وحتى غير سكان مسقط الراغبين بالعمل فيها يكتون بنار الإيجارات التي قد تستهلك أكثر من نصف رواتبهم أحيانا, وفي حقيقة الأمر الحالتين سيان, ووحدهم سكان مسقط هم الرابحين!!


ناهيك عن العيادات الخاصة والخدمات الطبية التي تتمتع بها مسقط وحدها دونا عن المناطق الأخرى , والجامعات والكليات ووسائل الترفيه , والطرق وحتى الماء!!!!!!!!


أبعد كل هذا لا زلنا ننادي بأن مسقط هي الواجهة والصورة الحقيقية لعمان!!!!!!!




 ولكن تكشف لنا الأيام يوما بعد آخر بأن هذا الانفصال الذي تعيشه عاصمتنا عن باقي أقطار وطننا الأخرى , والازدهار العمراني الذي تشهده ينعكس سلبا على استقرارها ونظامها ومن كونها مكانا صحيا للعيش بسبب التدفق السكاني الكبير الذي تعيشه ..فقد باتت كئيبة مقرفة لا يتطلع المرء إلا لإجازة نهاية الأسبوع ليهرب من ازدحامها وقتلها للوقت والصبر والأرواح معا, فقد باتت مسقط تشكل أعلى نسبة للتلوث والحوادث المرورية في عمان بأكملها..


هذا الأمر يحتاج إلى وقفة طويلة جدا جدا , ودراسة مفصلة وخطة عمل دقيقة من جهات الدولة المسؤولة , وإلى ذلك الوقت لا نملك إلا أن نقول( فليرحمك الله يا مسقط)...

الجمعة، 17 سبتمبر 2010

ليلة تحت ضوء القمر





ليس سيئا للغاية أن تعيش سويعات من ليلة صامتة بدون لعنة تكنولوجية تسمى كهرباء.



ستقضي أجمل ساعات ليلتك في حوش المنزل تتأمل النجوم و السماء وكأنك تراها للمرة الأولى..


ستعيش مع ذاتك ومع ذوات الآخرين الحقيقية وتستشعر صفو أرواحهم التي لم تكن ربما لتستوعبها قبل اليوم قط..


أن تكون بلا ضوء مصباح أو تلفاز أو انترنت يعني أن تكون في عالم واسع لا تقننه لعنات التكنولوجيا بكافة أنواعها, وان تقطع الوقت بنجاح قبل أن يقطعك..


ستتعلم حينها أن تكون معطاء كالقمر , وستدرك بأن ثمة أمور لا تنكشف روعتها وجمالها إلا إذا حرمنا من أخر لطالما خدعنا بقوتها وتأثيرها علينا..


ستسهر وقتها مع نسمات الليل الباردة, وصوت الأرجوحة الخضراء بمحاذاة شجيرة ياسمين تعطر ليلتك الهادئة..


ليس مزعجا أبدا أن تحيا ليلة واحدة بلا إزعاج تكنولوجي , وغزو فكري وجسدي وروحي أدمناه ولا زلنا ندمنه طويلا جدا..






صباح الاثنين 13\9\2010


رابع أيام عيد الفطر

الأربعاء، 15 سبتمبر 2010

حنين وجنون



بعض الحكايات تأبى أن تنتهي وان كان ستارها قد أسدل منذ اجل طويل .. ثمة ما يجعلنا نتلصص عليها من وقت لأخر ...



ربما لنطمئن أرواحنا ونعيد إليها بعضا من عبق الماضي ..


الماضي لا ينتهي أبدا , وان اختلفت حكايات وعودنا مع ذواتنا لتناسيه أو البعد عنه, يبقى هنالك شوق يصعب مقاومته , أو حتى محاولة عدم الاعتراف أو الاكتراث به..


اليوم أجدني لا زلت اشتاق لدور البطولة في تلك الرواية التي لم تكن فصولها لتكتمل , أو ربما تلك الأخرى التي انتهت حتى قبل أن تبدأ..


ليست أوهاما تلك الرواية, وان تباينت فيها ادوار الأبطال عن الحقيقة , ولم تكن تفاصيلها المكررة سرابا, لكنها فقط أبت أن تكتمل..


الجنون بكل تناقضاته قد يفلح أن يكون رواية ناجحة بغض النظر عن اكتمال فصولها..


البطل واحد في جميع الروايات السابقة ,وحده من يجيد أداء هذا الدور باحتراف لا شك فيه, ويفك عقدا ويصنع أخر , حتى وان كلفه الأمر التخلي أو استبعاد أطراف أساسية في الرواية إن كان ذلك سيخدم الرواية..


البطل هنا كل شيء , ومهما وصلت إخفاقاته , فلن يكون أبدا لا شيء , وإلا لما كان للرواية أن تكون أبدا..


شوق جارف جدا لا ادري إلى ما هو , قد يكون لكتاب عميق بعبق كوب نسكافيه, أو ربما لكثير من الهدوء والنوم...


تصبحون على عبق وشوق.


8\9\2010


11:46 م


ابرا



الجمعة، 3 سبتمبر 2010

رحم الله امرئ عرف قدر نفسه

من الظواهر التي أصبحت تثير حنق المرء وغيظه مؤخرا في مجتمع كعمان هي لعبه الألقاب المجانية الكبيرة



لا يكاد يخفى على أي مطلع على الحركة الادبيه و الثقافية في الساحة العمانية سواء من بعيد أو من قريب أن جميع العمانيين أصبحوا وبدون سابق إنذار قصاص أو كتاب أو شعراء أو روائيين أو أدباء, بغض النظر عن ماهية أو جودة ما يكتبون ..


يكفي أن يكون الواحد منهم جريئا بدرجه ما لينشر بعضا من محاولاته المتواضعة جدا في كتاب ليعطى لقب قاص أو أديب أو ....أو.... الخ الحقيقة المؤكدة هنا أن الكتابة هي حرية شخصيه قد تكون مطلقه في أحيان كثيرة , ومن الصعب جدا أن تقنن ..وهي حق للجميع يمارسه متى أو كيفما أراد بغض النظر عن أغراضه المتباينة والمستترة باسمها...


ولكن , ليس كل ما يكتب يجب أن ينشر أو بعبارة أخرى صالح للنشر!!! على الكاتب أن يكون انتقائيا جدا في ما ينشره خصوصا بعد تجربته الكتابية الأولى, وان يعطي لفكره وقلمه فرصه لينضج وليقيم تجربته ...


ما نراه في الساحة العمانية هو تهافت الجميع للنشر, والاهتمام جدا بالكم لا بالنوع ..


ثمة من يجمعون كل محاولاتهم الكتابية بغض النظر عن مسمياتها وتصنيفاتها في كتاب مطلقين عليها *مجموعه قصصيه* .. عندما تأتي كقارئ وتبدأ بالقراءة تجد أن كل ما في المجموعة شخبطات وكلام غير مترابط لا يمت للقصة بصله لا من بعيد ولا من قريب ..


على سبيل المثال : مجموعه قصصيه بعنوان (.......) لقاص عماني


(فلان الفلاني)...


تبدأ بقراءة القصة الأولى ,العنوان , لتربط في ذهنك أن فحوى القصة مرتبط بعنوانها , تنتهي من الصفحة الأولى ولم تستوعب شيئا متمنيا أن تفهم التي تليها ... إلى آخر القصة ..


لا حوار , لا شخوص, لا عقده, لا عنصر تشويق, العنوان صارخ مبهم لا يمت للمضمون بصله , ناهيك عن النهاية ,,وهكذا إلى آخر قصه في المجموعة ...


معضلة حقيقيه أن نطلق على هذا الإصدار مجموعه قصصيه أو على الكاتب قاصا...


هذه تعتبر اهانه للأدب, وللكتابة ,وللكتاب الحقيقيين ......


هل نشر وبيع شخبطات كهذه تحت مسمى (مجموعه قصصيه) في معرض كتاب أو مكتبات وحده كافيا لوصفها بالجيدة!!!


مره أخرى : من حق الجميع أن ينشر , وان يقرا له, وان يعطى الفرصة لينتقد قلمه وان يقيم , و إلا فلن يتطور قط


ولكن يجب أن نحاول جاهدين غربله هذه الكتابات مع أصحابها ,,,وهذا أمر تستطيع دور النشر تحقيقه أن كانت تفهم شيئا من مسؤولياتها ومن واجباتها إزاء الأدب والعملية الكتابية, وان تكف عن نشر كل شيء فقط لتتباهى بكم الكتب التي نشرتها!!


من ستخرج لنا هذه الساحة مثقفين وكتابا حقيقيين!!!!!


ومتى سنشفى من لعبه الألقاب المجانية هذه ليرحم الله كل امرئ عرف


قدر نفسه!!!









الأربعاء، 1 سبتمبر 2010

أرق ومزاج رائق








أن تكون في مزاج رائق, وتبدأ الدخول في مرحلة رضا ما عن حياتك وظروفها التي كنت قد ظللت فترة طويلة ساخطا عليها , وترفع الراية البيضاء لكل أحداث حياتك, بما فيها المزعجة , ولكنك رغم كل هذا تصاب بأرق غريب جدا , او بصدق ادق هو غياب النوم , فتنام ست إلى سبع ساعات اليوم , وتظل مستيقظا طوال الغد!!



أيعقل أن يكون الأرق وغياب النوم ضريبة للمزاج الرائق والراحة النفسية؟


ثمة أناس عندما يشعرون بالسعادة بعد طول تعاسة واختناق , يصابون بالأرق , فتختفي لديهم الرغبة في النوم , ولا يكون النوم حاجة بيولوجية أساسية لديهم , لان الساعات التي قد يقضونها في النوم ستنقص من عمر سعادتهم , واظنني انتمي إلى هذه الكوكبة من الغرائبيين من بني البشر.


أن تكون سعيدا , يعني أن لا ترهقك دروس تعلم السياقة منذ الصباح الباكر , حتى وان أغدقتك المدربة إهانة وتسفيها لأنك تدخل محطة تعبئة الوقود من المخرج وتخرج من المدخل , وتكون هي المرة الخامسة أو ربما السادسة التي تكرر فيها الخطأ ذاته..


أن تكون مبتهجا وساكنا يعني أن البحث عن عمل لا يعد معضلة حقيقة بعد الآن , بل على العكس تماما هو نعمة يفتقدها كثيرين , لأنك ستكون حرا بلا حدود ومبدعا أيضا, تمارس كل أنواع الجنون وتسهر وتنام متى ما شئت , فليس ثمة ما يقيدك أو يحرمك ويقتل وقتك..


أن تكون رائقا يعني أن لا مانع نفسي من أن تقضي خمس ساعات من يوم صومك تطبخ بيتزا, خلية النحل, لقمة القاضي , شوربة ربيان , وجميع أخواتك لا يكترثن حتى بمجاملة سؤالك إن كنت بحاجة لمساعدة (طبعا هذا لا يحدث إلا عندما تكون في قمة صفاءك وهو نادر جدا)


أن تكون سعيدا هو أن لا تستثقل مناسبات اجتماعية كنت لا تطيقها , لتصبح صلة الأرحام والزيارات العائلية من أحب الأمور إلى نفسك , حتى لو اضطرك الأمر بأن تتعامل مع من لا تحب.


أبعد كل هذا يهاجمك شبح الأرق وعليك أن تدفع ضريبة !!


حسنا , سأكون في أقصى درجة الصفاء وسأقول بأن الأرق يمنحك فرصة جميلة ورائعة للغاية بأن تراقب وجهك جيدا ويجعلك أكثر جمالا في نظر نفسك , فعندما تسهر ترى بأن لون وجهك أصبح أكثر توردا وإشراقا ( والله انا احس كذا , تجربة شخصية, طبعا بغض النظر عن الهالات السوداء التى ستنحفر حفرا اسفل عينيك والتي لن تفيد معها كل كريمات العالم).,لأنك في ساعات النهار كلها قد لا تملك الوقت والهدوء لتحدق في وجهك, فوحده الارق من يمنحك هذه الفرصة لتكتشف جاذبية وجهك وسحره..


وأجمل وأروع ما يمنحك إياه الارق هو فرصة ذهبية للكتابة , كما افعل الان , فليس أجمل من أن تجري جريا إلى مدونتك لتكتب جنونا كهذا..


لا تنزعجوا من الارق يا أصدقاء, حتى وان حل عليكم ضيفا ثقيلا بلا مقدمات أو أسباب وجيهه, فثمة ما يبهج به ..


بعد نصف ساعة درس تعلم السياقة


دمتم بلا ارق وبلا دروس تعلم السياقة..


2\9\2010


5:15 فجر الخميس


إبرا

الاثنين، 30 أغسطس 2010

لي مع الموت حكايات ثلاث (2)

لي مع الموت حكايات ثلاث (2)


الحكاية الثانية : هلال




التاريخ: 27 شعبان 1996( إن لم تخني الذاكرة)



المكان: بيت حبابي الكائن في سفالة ابرأ


(1)


ابرأ


ثمة تفاصيل دقيقة تحتضنها الذاكرة بتعنت مدهش , ويعجز الزمن بكل أحداثه وتعقيداته من محوها أو حتى ركنها بعيدا في ذاكرة تمتلئ كل يوم بتفاصيل أخرى قد تفوقها تشابكا وتعقيدا ...






الثلاثاء : 27 شعبان 1996 بيت حبابي


امتلأ الحوش بأعداد كبيرة من النساء والرجال أيضا ، الصراخ كان عاليا، لم استطع وقتها أن ادخل إلى الدهريز, فثمة أمر لم افهمه, أو ربما لم أكن ارغب في تصديقه, نسيت القسمة المطولة, امتحان الرياضيات, حمى أختي, ورحت انظر إلى كل ما كان يحدث بصمت وخوف شديدين..


كل الوجوه كانت مألوفة لدي من نساء ورجال, ولكن أمي, خالاتي, جدتي, أبي, احمد, وه ل ا ل لم يكونوا هناك, أحسست بوحدة وألم قوي يخنقني, لم تذرف عيني دمعة واحدة, كل شي كان غريبا ومرعبا, تفقدت كل من كانوا في الحوش , كلهم كانوا كبارا وكنت الطفلة الوحيدة..


لم يوقظني من سرحاني وصمتي إلا تابوت ابيض رأيت أبي وعمي وآخرين يحملانه, شعرت ببعض الأمان لرؤية عمي وأبي


تخرج بعدها عمتي أصيلة, جداتي, خالاتي, عمتي , ونساء كثيرات وقفن بمسافة بعيدة قليلة عنهن, اقتربت من التابوت , رايته يفتح , وعمتي أصيلة تبكي مغطية وجهها بلحافها,, اقتربت أكثر , وإذا برجل نحيل ربما كان احد أقربائنا البعيدين يقول لي: ايش تسوي هنا, روحي..


نعم رايته, كان هلال ينام على التابوت بهدوء, وكامل جسده قد غطي بالأبيض..


وقتها فهمت درسا أصعب بكثير من القسمة المطولة, أصعب بكثير من أن تستوعبه طفلة لم تتجاوز العاشرة من عمرها ..


طفلة فقدت جدتها قبل سنين ثلاث , وفهمت أن الكبار وحدهم من يموتون..


في ذلك اليوم عرفت أن الصغار أيضا يموتون.


نعم , صدقوني فهلال لم يكن كبيرا أبدا...






(2)


العاشرة مساء من مساء اثنين ما حيث يوافقه السادس والعشرون من شعبان لعام 1996 قررت أمي أن ننتقل للمبيت في بيت جدي الذي يبعد مسافة ثلاث كيلومترات عن بيتنا الأبيض, ومرد قرار كهذا في وقت يعد متأخرا بعض الشيء في ذلك الزمن هو حمى أصابت أختي الصغرى التي لم يكن عمرها يتجاوز الشهرين ائنذاك


لم تكن نومة هانئة وثمة قلق كبير ساورني وقتها لسببين لا ثالث لهما : حمى أختي, وامتحان الرياضيات الذي كان على الأبواب..






(3)


ابرأ


لموسم الصيف في بيت حبابي (1) طعم مختلف تماما عن بيتنا الأبيض خصوصا إن كان سوق السفالة قد بدا يمتلئ باللمبا الغض(2) الذي تزوغ له الأعين من بعد, ويسيل له اللعاب باستحياء.


أنا وهلال واحمد نفترش الدهريز(3) في بيت حبابي مقابلين التلفاز نترقب رعد العملاق(4) على قناة عمان التي لا اذكر حقيقة إن كانت ملونة أم لا!!!!


يأتي هلال بفرامة الجزر , ليفرم كل اللمبا الموجود في الكيس البلاستيكي ويتبله بكثير جدا من الملح والفلفل الأسود والأحمر,ولم يكن أبدا جائزا أن نبدأ في تناول وجبة الصيف الشهية هذه إلا بعد أن يبدأ رعد العملاق , حتى وان انتهى الكبير هلال من فرم اللمبا قبل بدء الرسوم , لم يكن بيدنا أخي وأنا إلا أن نرضخ لرغبته مضطرين غير باغين وإلا لحرمنا من اللمبا!!


بعدها بساعة تأتي عمتي أصيلة من المطبخ منهكة بعد أن تكون قد فرغت من غسل وعيان(5) الغداء لتسأل: هين(6) اللمبا؟


نجلس نحن الثلاثي مبحلقين على رعد العملاق وهو يستعرض بطولاته , وسؤال العمة يبقى معلقا , ووحده الكيس البلاستيكي الأزرق الفارغ يتولى مهنة الإجابة عليه بصمت مفهوم جدا!!






(4)


الدريز:


بعد الليلة الغير هانئة التي قضيتها في بيت حبابي بسبب امتحان الرياضيات والقسمة المطولة , انتقلت إلى بيت حبابي الاخر في الدريز لتشاطرني خالتي التي تكبرني بثلاثة أعوام الهم , ولتريحني من هم القسمة المطولة التي لم أكن لأفهمها لأعوام ثلاث بعد الابتدائية!!


في ظهيرة ذلك اليوم وأنا متغطية بغطاء ازرق مع ورود بيضاء متظاهرة بالنوم , ولا أفكر إلا بالقسمة المطولة, خالتي في السرير المقابل تغرق في سبات عميق, رن الهاتف الأحمر داخل الغرفة بصوت قوي هز كيان قلبي وحدثتني نفسي بأن ثمة مكروه قد حدث , ومن يومها إلى الآن واتصالات الظهيرة تفطر قلبي..


ردت خالتي النائمة على الهاتف بصوت ناعس, كانت جدتي المتصلة من مسقط تقول بأنها وخالي سيأتيان إلى ابرأ في ذلك اليوم..


انتهت المكالمة, عادت خالتي لتنام , وعدت لأفكاري السابقة وقلقي من الامتحان, متناسية أنا وخالتي بأن اليوم كان الثلاثاء أي انه يوم دوام , فلم يأتي خالي مع جدتي إلى ابرأ؟ , خصوصا بأن الوقت الذي كانت جدتي قد قضيته في مسقط يعتبر قصيرا جدا لينهي كل مشاويرها وزياراتها!..


يدخل بعدها بحوالي نصف ساعة خالي الذي كان في سنته الثانوية الأخيرة, ليخبر خالتي بهدوء عن أمر لم افهمه, تنفجر هي باكية , ينظر اللي خالي الذي يحاول تهدئتها بلا جدوى , كنت صامتة وخائفة جدا, صوت رنين الهاتف لا زال يتردد على أذني , تقترب مني خالتي وتصرخ: هلال مااااات. ماااااات


ينظر اللي خالي ويقول : لا رحمة , ما مات , ما مات


لم افهم , أو ربما لم أكن أريد أن افهم , كانت خالتي الصغرى تراقب كل ما يحدث صامتة وبلا مبالاة وترسم او ربما تلون رسمة ما في كراستها, ركضت إلى الحمام الشاوري(7) , جلست أتأمل وجهي أحدث نفسي مقابلة المرآة ,أغالب دمعي واكذب على نفسي .. لا لا لم يمت






اليوم: افتقد هلال كثيرا , أتمنى لو كان خالي محقا عندما نفى حقيقة موته ,افتقد صيف بيت حبابي واللمبا الغض, وصراعاته معي عندما ألحق به إلى المدرسة ليلعب كرة القدم مع زملائه , ليشكيني إلى عمتي أصيلة فور عودته الى البيت: ماه , هذيه تفضحني قدام أصدقائي , مسكيها والا بشلها بكف..


لم يعد هلال موجودا , لكن توقيعه(أبو لؤي ال ....) التي نقش به جدار غرفته لا زال موجودا , والملصقات القرآنية التي ألصقها في خزانة ملابسه لا زالت كما هي , البطاقة التي أهداني إياها في مطلع سنة ميلادية ما لا زلت احتفظ بها , ولا زالت ذاكرتي تختزن كل تفاصيل حديثنا وضحكنا ولعبنا إياه واحمد, ولن يكون الزمن كفيلا أبدا بأن ينسينا إياك يا هلال..


غفر الله لك, وأدخلك فسيح جناته






(1): جدي

(2): المانجو الغير ناضج الشديد الحموضة

(3): الدهليز

(4):رسوم متحركة

(5): أواني

(6): أين

(7): الخارجي

الخميس، 26 أغسطس 2010

صباح برائحة مفقودة!!







هدوء الصباح الباكر هو واحد من أكثر الأمور التي أحبها في الحياة ,فليس هنالك أحب على قلبي من أن يكون الجميع نيام وأكون المستيقظة الوحيدة ..



للصباح نكهة خاصة جدا عندي, معه تقل أحلام اليقظة المزعجة , وتنفتح فيه الشهية للكتابة , ولا يكتسب نكهته الخاصة إلا برائحة النسكافية أو القهوة بمختلف مسمياتها وطعمها..


لا ادري ما هو السر الذي يكمن وراء شعوري بالارتياح والسكون النفسي كلما شممت رائحة القهوة , حتى ولو لم اشربها, حتى إنني في معظم المولات أو المجمعات التجارية لا انتبه لشيء إلا للكوفي شوبس المنتشرة هنا وهناك, ولا تشتهي نفسي الذهاب إلى أي مكان سواها في حالات الضجر المستفحلة...


حنين جميل إلى النسكافي هذا الصباح وأنا صائمة, تفسيره الوحيد هو الاستيقاظ باكرا خلافا لكل الأيام التي سبقته في هذا الشهر الكريم..


لعل من أكثر الأمور التي قد تعكر صفو صباح كائن بشري مثلي , هي دروس تعلم السباقة التي وصلت إلى درجة القرف هذه الأيام بالذات , فليس من نكد أقوى من أن تنغص على نفسك مع أول خيوط الفجر كتعلم السياقة والجير والبريك والستيرنك,, لفة ودوار ومنطقة تخزين وممنوع الاستدارة.... ( يا ربي متى يخلص هذا الكروب والرعب!)


بعد أن كانت الجمعة هي اكره الأيام إلى نفسي في فترة الدراسة , أجدها الآن أجمل الأيام وأحلاها, لأنني أنعتق فيها كل أسبوع من دروس تعلم السياقة ..( ما أجمل الحرية)


المزاج أحسن ما يكون هذه الأيام , وبأمانة هي المرة الأولى التي أتمنى فيها أن لا ينتهي شهر رمضان !


ثمة شعور جميل بالروحانية يسكنني منذ بداية هذا الشهر , وكلما مر يوم ينتابني شيء من القلق من أن ينتهي هذا الشهر وأعود إلى نفس دوامة الضجر والاكتئاب المدمر...


وأمتع وأكثر ما أحبه في رمضان هو المشي بعد صلاة التراويح في جو اقل ما يمكن وصفه به هو انه رااااااائع, تشعر بأن روحك تحلق في الفضاء وبأن ذهنك يتخلص من أعباءه,, ومعدتك تحرق أطعمة رمضان المتعبة والمهلكة لصحتك ...


لأول مرة اشعر بأن البحث عن عمل ليس معضلة , أو أن المرء لا يكتمل وجوده إلا بالعمل أو البطالة المقنعة في معظم الحالات هنا , ليتقاضى أجرا ينتهي قبل منتصف الشهر أحيانا, البطالة الايجابية تعطيك مساحة هادئة لتفكر وترتب أمورك, وقد لا ندرك هذه الحقيقة إلا متأخرين ولكن الأوان لا يفوت أبدا ( شوفوا التفاؤل اوين)


منذ ما يقارب الشهرين أو ربما الثلاثة وأنا صائمة عن الأدب والروايات والقصص, وثمة خطة جديدة لقراءات دينية , تطوير الذات , وبعض الكتب الانجليزية!


هذا ما يمكن قوله الآن , وبالتأكيد ثمة مزيد , لنتركه لوقت آخر ..


ختاما: عفى الله عنا , وبارك لنا في حيواتنا, وأدخلنا جناته, وشملنا بواسع رحمته ..اللهم آمييييييييين


(كل من يقرأ هذه التدوينة فليدعوا لي بأن يرزقني الله وظيفة أسعد بها, وليسن ينسيني كل هموم السياقة)


11:12ص


26\8\2010


إبراء


البيت الأبيض